ابن الجوزي
235
زاد المسير في علم التفسير
وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فاختلفت أقوالهم فيه ، فبعضهم يقول : هذا الذي يأتي به سحر ، وبعضهم يقول : أضغاث أحلام ، وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام ; وقد شرحناها في يوسف ، وبعضهم يقول : افتراه ، أي : اختلقه ، وبعضهم يقول : هو شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا ، فاقترحوا الآيات التي لا إمهال بعدها . قوله تعالى : * ( ما آمنت قبلهم ) * يعني : مشركي مكة * ( من قرية ) * وصف القرية ، والمراد أهلها ، والمعنى : أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات ، لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم ، فكيف يؤمن هؤلاء ؟ ! وهذه إشارة إلى أن الآية لا تكون سببا للإيمان ، إلا أن يشاء الله . قوله تعالى : * ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا ) * هذا جواب قولهم : " هل هذا إلا بشر مثلكم " . قوله تعالى : * ( نوحي إليهم ) * قرأ الأكثرون : " يوحى " بالياء . وروى حفص عن عاصم : " نوحي " بالنون . وقد شرحناه هذه الآية في النحل . قوله تعالى : * ( وما جعلناهم ) * يعني : الرسل * ( جسدا ) * قال الفراء : لم يقل : أجسادا ، لأنه اسم الجنس . قال مجاهد : وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح . قال ابن قتيبة : ما جعلنا الأنبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام ولا تموت فنجعله كذلك . قال المبرد وثعلب جميعا : العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين ، كان الكلام إخبارا ، فمعنى الآية : إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام . قال قتادة : المعنى : وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام . قوله تعالى : * ( ثم صدقناهم الوعد ) * يعني : الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مكذبيهم * ( فأنجيناهم ومن نشاء ) * وهم الذين صدقوهم * ( وأهلكنا المسرفين ) * يعني : أهل الشرك ; وهذا تخويف لأهل مكة . ثم ذكر منته عليهم بالقرآن فقال : * ( لقد أنزلناه إليكم كتابا فيه ذكركم ) * ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : فيه شرفكم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : فيه دينكم ، قاله الحسن ، يعني : فيه تحتاجون إليه من أمر دينكم . والثالث : فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب ، قاله الزجاج . قوله تعالى : * ( أفلا تعقلون ) * ما فضلتكم به على غيركم . وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين " 11 " فلما أحسوا